قصة اللوحة — من الظلمات إلى النور
١٣ أغسطس ٢٠٢٥. قبل منتصف الليل بقليل.
كنتُ أحمل ثقلاً لا أعرف اسمه. لم أرغب في الكلام، ولا في النوم، ولا في أي شيء — سوى أن أخرج كل ما بداخلي إلى مكان آخر غير صدري.
لم أكن يائسة. هذا ما أريد أن يُفهم.
كنتُ في وسط الشتات — لكنني كنتُ أعرف، بيقين لا أستطيع تفسيره، أنني سأعبره. شهر، شهران — لكنه سيزول. كنتُ في تلك المرحلة التي تتغير فيها الأفكار من الداخل، قبل أن يظهر أي تغيير من الخارج. حيث تعرف أن شيئاً يتحرك، حتى وإن لم تستطع أن تُسمّيه.
فأمسكتُ الفرشاة.
ما خرج تلك الليلة، لم يكن قراراً. كان أقرب إلى اعتراف.
اعتراف بكل خط مزدحم في رأسي لم يجد طريقه. باعتراف بكل مرة شعرتُ أن التفكير نفسه أصبح ثقيلاً، وكأن العقل امتلأ بأصوات كثيرة، لا واحدة منها واضحة.
وفي وسط كل ذلك — كان هناك شيء آخر. شيء صغير، هادئ، لم يكن صاخباً كباقي ما بداخلي، لكنه كان موجوداً. خط واحد، يعرف إلى أين يذهب، حتى وأنا لا أعرف.
لم يكن هذا الخط أملاً بالمعنى المعتاد. كان أعمق من الأمل. كان معرفة. معرفة أن كل هذا الثقل لن يبقى هكذا. أن هناك نقطة، في مكان ما، سيتحول فيها كل هذا الازدحام إلى شيء آخر — إلى وضوح، إلى ترتيب، إلى سكون.
سمّيتُ ما رسمته "من الظلمات إلى النور".
ليست لوحة عن الحزن، وليست عن الفرح. هي عن تلك المسافة التي يقطعها كل إنسان، من رأس مزدحم بخطوط لا تجد اتجاهاً، إلى رأس وجد فيه كل خط مكانه. من ثقل، إلى وعي.
وفي تلك اللوحة — كل من ينظر إليها، يرى نفسه. لا لأنني رسمتُ شخصاً بعينه، بل لأنني لم أرسم أحداً. رسمتُ المسافة نفسها. والمسافة، كل إنسان يملك نسخته الخاصة منها.
تلك الليلة لم تكن نهاية شيء.
كانت اللحظة التي اعترفتُ فيها بالثقل، وفي نفس الوقت، اللحظة التي وثّقتُ فيها يقيني بأنه سيتحول.
ثم مرّت أشهر. لم أنظر إلى تلك اللوحة كثيراً خلالها — كانت معلّقة في مكان هادئ، وكنتُ أنا في مكان آخر، أعيش ما وعدتُ نفسي به تلك الليلة. أعبر الشتات، خطوة بخطوة، بلا عجلة، حتى وصلتُ.
وحين وصلتُ — حقاً وصلتُ، ليس بالأمل بل بالمعرفة — رأيتُ اللوحة بعين مختلفة. لم تعد توثيقاً لليلة صعبة احتفظتُ به لنفسي. رأيتُها كما هي: صدى. صدى لرحلة أعرف الآن أن غيري يعيشها أيضاً، في صمت، كما عشتُها أنا.
وفي تلك اللحظة، حين رجعتُ إلى اللوحة بعد أشهر، قررتُ ألا أُبقيها لي وحدي.
وكل قطعة وُلدت بعد ذلك، من تلك اللوحة — هي ذلك اليقين، وقد أصبح شيئاً يمكن أن يُلمس.
١٣ أغسطس ٢٠٢٥.
